تجريف التاريخ

انتهاكات أطراف النزاع للممتلكات الثقافية في اليمن

تقرير جديد يعرض 28 واقعة انتهاك من بين 34 واقعة وثقتها "مواطنة"، عن تعرض المعالم الأثرية والدينية لأنواع مختلفة من الاعتداءات والانتهاكات المباشرة وغير المباشرة من قبل جميع أطراف الحرب خلال ثلاث سنوات في اليمن.

الناشر
تاريخ الإصدار
November 15, 2018
عدد الصفحات
102
بيان صحفي
November 15, 2018
"مواطَنة" تطلق تقرير "تجريف التاريخ"

خلفية تاريخية:

شهد اليمن واحدة من أقدم الحضارات التي عرفها الإنسان في الشرق الأوسط. وتشير المصادر التاريخية إلى أن علم التاريخ في الجزيرة العربية، عُرف في جنوبها[1]. اعتمدت هذه الحضارة على التجارة والتعدين والزراعة والعمران، ما أهّلها لخلق مجتمع مستقر اضطلع بتسجيل أحوال هذا التطور ونقل ما في خبراته من تراكم عبر التاريخ. وقد تمّ نقل جزء من هذه الخبرة إلى خارج اليمن، على فترات متباينة، مع الحشود البشرية التي هاجرت شمالاً[2].

وبالنظر إلى الموقع المناخي لليمن، والمتصل اتصالاً مباشراً بتأثير الرياح الموسمية، ازدهرت الزراعة في هذا البلد، وابْتكر سكانه أساليب ريّ فاعلة كالقنوات والسدود. وقد كان لذلك الازدهار الزراعي، تأثير مباشر على العلاقات الاجتماعية التي أبدعت منظومة من التراث اللامادي المصاحب لطقوس العبادة والري والحصاد.

فرض العمل في الحقل مشاركة أوسع للنساء[3] خارج المنزل، جنباً إلى جنب مع الرجال. فاليمن القديم المستقر، كما تبين الآثار والنقوش، أعطى حيزاً كبيراً لمشاركة المرأة في المجال العام، وصل ذروته بتولي امرأة مقاليد الحكم. ومن جانب آخر، جعل تعاضد الموقع الجغرافي مع حركة التجارة العالمية، اليمن نقطة اتصال بين مصر والبحار الجنوبية والهند[4]. وكان هذا سبباً رئيسياً لوضع اليمن نصب أعين المصالح الدولية، التي لم تخلُ من أطماع، باعتباره بلداً مترفاً في فترة من تاريخه[5]. تلك هي الفترة التي سادت البلد فيها طبقات ثرية اهتمّت ببناء القصور والقلاع[6].

ومثلما جلب هذا التطور المستعمرين نحو اليمن، فقد مثّل نقطة تحوّل؛ إذ أتيح لليمنيين، إلى جانب أمور أخرى كثيرة، توثيق التاريخ اليمني القديم، بتقاليده القانونية والسياسية التي انتهجوها لحل الخصومات فيما بينهم[7]، وبناء الدول المتعاقبة، والاتحاد والانفصال بين الأقاليم القديمة[8]. وتجسّد الكثير من الآثار الباقية حتى الوقت الراهن، شاهداً حياً على فترات الازدهار والانحسار، التي مر بها اليمن القديم. على أن معظم المصادر التاريخية تتفق على أن الكثير من آثار اليمن في العصور القديمة مازال “مطموراً تحت الأتربة والرمال”.[9]

ولم تكن فترة التاريخ الوسيط لليمن، أقل ثراءً؛ وهي الفترة التي شهدت انتشار الإسلام في البلاد، ولاحقاً، تعدُّد مذاهبه. تمّت كتابة “التاريخ” في هذه الفترة بوعي أكمل، خاصة مع ثبات اعتماد اللغة العربية كلغة رسمية للتدوين؛ فنقلت المخطوطات التي احتفظت بها مكتبات البلد، الكثير من تعاليم الدين، وأخبار الدويلات التي تنازعها حكام الأقاليم الإسلامية، كما احتفظت مكتبات الجامع الكبير بصنعاء، والمتحف الوطني بتعز، ومكتبة مدينة زبيد، ومكتبة مدينة جبلة، بجزء كبير من هذه المخطوطات.

سجلت هذه “الآثار” في تاريخ اليمنيين لحظات فارقة، ومنها تلك التي تجسدت في تولّي الملكة أروى بنت أحمد الصليحي (473- 532 هـ/1080-1138م) مقاليد الحكم في اليمن. أُطلقت على الملكة ألقاب مثل “السيدة” و”الحرة”، وهي ألقاب ما زالت تُعرف بها الملكة أروى حتى الوقت الحاضر. كما تحظى فترة حكمها بالكثير من التبجيل لدى اليمنيين، نظراً لما شهدته من تقاليد سياسية راسخة[10]، وما رافقها من حراك تنموي[11] واهتمام واضح بالبنية التحتية[12].

وإلى جانب ما تراكم خلال هذه المرحلة من آثار، أبدعت الدولة الإسلامية أنماطاً مختلفة من الأبنية الدينية،[13] المدارس،[14] الأضرحة، التكايا، الكتاتيب، الأربطة، السماسر، الحمامات، والقلاع التي ميّزت -بمعمارها المختلف-الدولة التي كانت سائدة فيها. ورغم أن تعدد الدويلات الإسلامية وصراعها المستمر مع بعضها، والتدخلات الخارجية في شؤون البلاد، كان له أثرٌ كبير في تدمير بعض المعالم التاريخية، إلا أن تأثيره تجسّد أيضاً في تنوع الفن الإسلامي في اليمن[15]. ومع ذلك، فقد شابت تلك الصراعات والتدخلات حالة عداء مفرط تجاه التاريخ والتراث المتنوع.

رغم دورات النزاع السياسي والحروب التي شهدها اليمن منذ تفكك آخر مملكة مستقرة في تاريخه القديم، مروراً بفترات الصراع في عهد الدويلات الإسلامية وما تلاها، فقد احتفظت البلاد حتى وقت متأخر من القرن العشرين، بجزء من تراثها المادي واللامادي. احتفظ اليمنيون بهذا التراث بفعل العادات الاجتماعية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ. وتعزو كثير من المصادر[16] هذا الأمر للعزلة التي طبعت الممارسات السياسية في القرون الأخيرة من الألفية الثانية، خاصة في المناطق الشمالية من اليمن. على أن التراث المادي (نقوش وتحف أثرية) في كلا المناطق الجنوبية والشمالية، تعرض بصورة متزايدة، منذ بدء الاستكشافات الأثرية منتصف القرن الثامن عشر، إما للنهب والسرقة والتهريب إلى خارج البلاد، أو التدمير والتشويه.

كما احتفظ المجتمع اليمني بثقافة أقل تطرفاً[17]، وأكثر ميلاً نحو احترام التنوع. وأعطت الطفرة الاقتصادية المصاحبة للتوجه نحو اسكتشاف النفط[18]، هذه الثقافة، بعداً عصرياً. ففي المجتمعات المدنية ازدهرت الموضة ودور السينما[19] والموسيقى[20]، بينما حافظ الريف (القرية) على هويته التي تحميها وتسيّرها أواصر النسب وحسن الجوار. لقد كانت منظومة أخلاقية كاملة، قائمة على حسن النوايا، وعلى مجموعة من القيم المتوارثة من الأعراف التي كانت تشكل قوانين اليمن القديم، إضافة إلى التعاليم الدينية التي أكّد عليها الإسلام.

عكس نمط المعمار الريفي هذه الأخلاقيات. فالكثير من القرى اليمنية، خلال فترات طويلة من تاريخ اليمن، تكونت من سلسلة أفقية من الغرف المتصلة ببعضها. وكان يمكن لأكثر من عائلة أن تسكن في مجمع سكني عادة ما يتكون من طابق واحد. وعلى أفراد هذه الأُسَر المرور ببعضهم في الصالات المشتركة، أثناء نشاطهم المنزلي اليومي. وفي الليالي المقمرة، كانت الأسر، بنسائها ورجالها، يتسامرون في الأسقف المشتركة لهذه الأبنية، ويحكون القصص ذات الطابع الخرافي.

إن نمط البناء الأفقي بما هو عليه، كان السمة الموحّدة للطبقات الشعبية في تعايشها وانحيازها لبعضها. وفي المقابل حرصت الطبقات التي تميز نفسها، كالمشائخ وملاّك الأراضي، على أن تعكس ثراءها من خلال الأبنية التي اتخذت منحىً عمودياً.

هذا التقارب الاجتماعي، أتاح للناس تطوير ثقافة قائمة على التعايش والانفتاح. وانعكس التنوع الثقافي بصورة ملموسة، في مجموعة متنوعة من الملبوسات الشعبية، الأهازيج، والمناسبات ذات الطابع الاجتماعي الصوفي[21]. وإذا كان التراث المادي لليمن قد تعرض لجولات من مخاطر الطمس والتشويه والسرقة والتهريب على امتداد فترات النزاع السياسي التي مرّ بها البلد، فإن فترة السبعينات من القرن العشرين جديرة بأن يُنظر إليها باعتبارها فترة حاسمة بالنسبة للأخطار التي حاقت بتراثه اللامادي. ذلك أن التطورات التي رافقت هذه الفترة وما تلاها، صاحبها نشاط ذو طابع أيديولوجي، استثمر هو الآخر في اقتصاديات النفط، وتقنيات التطور العلمي. ومع تصاعد الطفرة النفطية والتقنية، تزايدت التباينات بين التيارات الأيديولوجية، بما في ذلك التباين المذهبي بين أبرز مذهبين دينيين؛ سنّة/ شيعة. ورغم أن الحالة في اليمن تأخذ تسميات أخرى: شافعية/ زيدية، فقد أدّى ذلك التباين في نهاية المطاف، إلى بروز ظواهر غير مألوفة من التطرف إزاء التراث اللامادي المتّسم بالتعايش والانفتاح. وتدريجياً، وصل الأمر إلى استهداف التراث المادي (الأعيان الثقافية)، سواءً بطريقة متعمدة تنم عن عدائية تجاهه، أو باللامبالاة إزاء قيمته التاريخية.

بعد التجريف الذي تعرضت له الهوية اليمنية الجامعة، أتت الحرب الدائرة اليوم، على ما تبقى من التراث المادي والممتلكات الثقافية، وجعلت البلد يفقد يوماً بعد آخر، إرثه المتنوع، وتقاليده الراسخة في الحكم والممارسات الاقتصادية والثقافية.

وقد تناوبت أطراف الحرب في تدمير عدد كبير من الأعيان الثقافية، سواءً باستخدامها لأغراض عسكرية أو باستهدافها وإلحاق أضرار متفاوتة بها. ولأن هذه الأطراف والجماعات المسلحة الموالية لها، تحمل أيضاً، موقفاً عدائياً من التاريخ غير المتسق مع فكرها، فقد دُمّرت الكثير من الممتلكات الثقافية في مناطق سيطرتها.

علاوة على ذلك، عمدت أطراف النزاع الداخلية، في أكثر من مرة، إلى التمركز في مباني وقلاع تاريخية، ما ألحق بها أضراراً جسيمة[22]. كما أغارت قوات التحالف العربي على مدن تاريخية مدرجة ضمن لائحة التراث العالمي[23]، ومباني وقصور أثرية[24]، ما أدى لتدميرها تدميراً كلياً وجزئياً.

غياب المساءلة:

إن النظر لتدمير التراث والممتلكات الثقافية، على أنه سلوك لا يستحق الالتفات إليه، شجّع أطراف النزاع على مزيد من الانتهاكات. ومع حالة التيه في الهوية، عمّقت أطراف النزاع من نظرتها العدائية تجاه التاريخ الذي لا ينسجم مع أيديولوجيتها، ومن ثم تدمير التراث الذي ترى فيه خطراً على وجودها. غير أنه ما كان لهذه الأطراف أن ترتكب أي انتهاك ضد الممتلكات الثقافية، ما لم تكن متيقّنة من أنها بمنأى عن المساءلة والعقاب.

وهنا نود التأكيد على أن التراث بوتقة للتنوع الثقافي وعاملاً يضمن التنمية المستدامة[25]. وبالنظر إلى كون التراث مسلكاً إنسانياً مشتركاً، وباعتبار أن اليمن موقّع على كثير من الاتفاقيات لصون تراثها، فإن هناك مسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي لكي يسهم في حماية هذا التراث، فضلاً عن المسؤولية التي تتحملها السلطات والمجتمع برمته تجاه تراثه و ممتلكاته الثقافية و التاريخية.

ويجوز، في أوقات النزاع، إدراج الممتلكات الثقافية بشكل استثنائي، على قائمة “الحماية المعززة”، التي تبناها البرتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي المقرّ في العام 1999. لذا من الضروري أن يدرج المجتمع الدولي تراث اليمن ضمن القائمة، وبما يكفل منع الهجوم عليه أو استخدامه عسكرياً[26].

إن الإشارة إلى المنتهكين أو من يقف وراءهم، قد تجعل أطراف النزاع تحجم عن التصرف بعدائية أو بلامبالاة إزاء تراث اليمن وممتلكاته الثقافية. ومن المفيد تذكير هذه الأطراف بالمسؤوليات التي يجب أن تضطلع بها لحماية التراث، وبالعقوبات التي تنتظرها في حال تنصلت عن هذه المسؤوليات[27].

لقد مثلت محاكمة مسؤولين[28] أدينوا بتدمير ممتلكات ثقافية في أفريقيا، مثالاً جيداً للمساعي الحميدة لحماية التراث الإنساني العالمي، وكيف أن العالم، في حال توفرت لديه الإرادة، سيرسل رسائله الرادعة لكل الذين نصبوا أنفسهم أعداءً للتاريخ.

وفي النهاية، يجب التعويل على جهود إيقاف الحرب، والشروع في حوار جاد لإخراج اليمن من المأزق الذي يعيشه. إذ مع استمرار تدهور الوضع الإنساني، وانسداد الأفق السياسي، يقامر المتحاربون ببلد، كان ذات يوم كياناً واحداً، وفي ظرف ثلاث سنوات من الحرب، يكاد أن يتلاشى.

مفاهيم وتعريفات

  • الممتلكات الثقافية:

درجت معظم وثائق القانون الدولي وكذا بعض التشريعات الوطنية على استخدام مفهوم “الممتلكات الثقافية” للتعبير عن تلك الممتلكات المنقولة والثابتة،التي تحظى بأهمية كبرى في تراث الشعوب الثقافي. فإذا كانت مفردة (ممتلكات) تدل على كل الأشياء المتداولة بغرض تلبية احتياجات الإنسان، فإن مفردة (ثقافية) تأتي لكي تضع تلك الممتلكات في سياقها الاجتماعي والتاريخي[29].

وبالنظر إلى بعض نصوص الاتفاقيات الدولية التي عرّفت مفهوم الممتلكات الثقافية، نجد أن التعريف الأكثر قبولاً وشيوعاً في ضوء القانون الدولي، مستمدّ من مصدرين:

  • المصدر الأول: المادة الأولى من اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حال نزاع مسلح (1954)، والمتضمنة لثلاث فقرات:

أ) الممتلكات المنقولة أو الثابتة ذات الأهمية الكبرى لتراث الشعوب الثقافي، كالمباني، المعمارية أو الفنية منها أو التاريخية، الديني منها أو الدنيوي، و الأماكن الأثرية، ومجموعات المباني التي تكتسب بتجمعها قيمة تاريخية أو فنية، والتحف الفنية والمخطوطات والكتب والأشياء الأخرى ذات القيمة الفنية التاريخية والأثرية، وكذلك المجموعات العلمية ومجموعات الكتب الهامة والمحفوظات ومنسوخات الممتلكات السابق ذكرها.

ب) المباني المخصصة بصفة رئيسية وفعلية لحماية وعرض الممتلكات الثقافية المنقولة المبيّنة في الفقرة (أ)، كالمتاحف ودور الكتب الكبرى ومخازن المحفوظات، وكذلك المخابئ المعدة لوقاية الممتلكات الثقافية المنقولة المبيّنة في الفقرة (أ) في حالة نزاع مسلح.

ج) المراكز التي تحتوي مجموعة كبيرة من الممتلكات الثقافية المبيّنة في الفقرتين (أ) و (ب) والتي يطلق عليها اسم “مراكز الأبنية التذكارية”.

المصدر الثاني: اتفاقية اليونسكو لعام 1970، بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية من الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة[30]. وقد عرّفت الممتلكات الثقافية على أنها: “الممتلكات التي تقرر كل دولة، لاعتبارات دينية أو علمانية، أهميتها لعلم الآثار أو ما قبل التاريخ، أو الآداب، أو الفن، أو العلم، والتي تدخل في إحدى الفئات التالية: الممتلكات المتعلقة بالتاريخ، نتائج الحفائر الأثرية، التماثيل والمنحوتات الأصلية”.

  • التراث الثقافي:

يمثل التراث الثقافي تلك القيم التي ينبغي نقلها إلى أجيال المستقبل، مادية كانت، كالأشياء والأماكن، أو معنوية، كالعادات والتقاليد والمعرفة واللغة. بمعنى أنها ميراث المقتنيات المادية وغير المادية، التي تخصّ مجموعة ما أو مجتمع لديه موروثات من الأجيال السابقة، وظلت باقية حتى الوقت الحاضر ووهبت للأجيال المقبلة.

وعرّفت اتفاقية اليونسكو بشأن حماية التراث العالمي (1972)، التراث الثقافي في ثلاث فقرات:

  • الآثار: وهي الأعمال المعمارية، وأعمال النحت والتصوير على المباني، والنقوش ومجموعة المعالم ذات القيمة الاستثنائية من وجهة نظر التاريخ، أو الفن، أو العلم؛
  • المجمّعات: مجموعات المباني المنعزلة أو المتصلة، التي لها، بسبب عمارتها، أو تناسقها، أو اندماجها في منظر طبيعي، قيمة عالمية استثنائية من وجهة نظر التاريخ، أو الفن، أو العلم؛
  • المواقع: أعمال الإنسان، أو الأعمال المشتركة بين الإنسان والطبيعة، وكذلك المناطق، بما فيها المواقع الأثرية، التي لها قيمة عالمية استثنائية من وجهة النظر التاريخية أو الجمالية، أو الإثنولوجية، أو الأنثروبولوجية.
  • التراث الثقافي المادي:

تعرّف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، التراث الثقافي المادي بوصفه ذلك التراث “المتمثل في الآثار والمباني والأماكن الدينية والتاريخية والتحف من منشآت دينية وجنائزية، كالمعابد والمقابر والمساجد والجوامع، ومبانٍ حربية ومدنية، مثل الحصون والقصور، والقلاع والحمامات، والسدود والأبراج، والأسوار، التي تعتبر جديرة بحمايتها والحفاظ عليها بشكل أمْثَل، لأجيال المستقبل. ويكون علم الآثار والهندسة المعمارية والعلوم أو التكنولوجيا، هو المعيارية الواضحة لهذا التراث. ويتم الحفاظ عليها لدراسة تاريخ البشرية، حيث تُمثّل الركيزة الأساسية للأفكار التي يمكن التحقّق من صحتها وصلاحيتها بدلاً من استنساخها أو استبدالها[31].

  • التراث الثقافي غير المادي(التراث الحي):

يشير مفهوم التراث غير المادي إلى الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات التي تتوارثها المجتمعات جيلاً عن جيل[32].

منهجية التقرير:

يستند هذا التقرير إلى بحوث ميدانية استقصائية، أجرت خلالها “مواطنة” لحقوق الإنسان، تحقيقاً مستفيضاً في تسع محافظات يمنية[33]. وكانت هذه المحافظات شهدت انتهاكات واعتداءات طالت أعياناً وممتلكات ثقافية فيها، ومعظمها أعيان ذات قيمة تراثية وفنية وروحية تاريخية عظيمة.

وثقت “مواطنة” هذا التقرير في سياقات مختلفة ممتدة منذ النصف الثاني من العام 2014، ولمدة ثلاث سنوات. كانت الوقائع في هذه السياقات نتاج أنواع مختلفة وأنماط مركبة من الانتهاكات والاعتداءات التي طالت العديد من الأعيان الثقافية في اليمن. وقد تعرض ما لا يقل عن 34 موقعاً وثقتها “مواطنة”، لأنواع مختلفة من الاعتداءات، كالقصف الجوي، الهجمات البرية، التفجير، التخريب، الهدم المتعمد وإلحاق الأضرار، علاوة على تدبير أعمال عدائية من جوار هذه الأعيان الثقافية أو الاستخدام المتعمد لها لأغراض عسكرية مباشرة.

وفي أثناء الزيارات الميدانية، تمكن فريق وحدة البحث في “مواطنة” من جمع شهادات لأشخاص كانوا شهود عيان على تلك الانتهاكات التي استهدفت هذه الأعيان الثقافية. ومن بين الذين أدلوا بشهاداتهم، موظفون رسميون وأفراد كانوا يقطنون بجوار تلك الأعيان أو يرتادونها لممارسة شعائرهم. وتشمل أبحاث هذا التقرير أكثر من (76) مقابلة على مدار ما يزيد عن ثلاث سنوات. وثّق فريق “مواطنة” هذه المقابلات أثناء تنفيذهم لزيارات ميدانية، وتمكنوا من توثيق أكثر من شهادة لكل واقعة اعتداء طالت هذه الممتلكات الثقافية.

لم تقدم “مواطنة” أي مقابل مالي أو عيني لمن أدلوا بشهاداتهم، وقد تم إخفاء هوية عدد ممن أدلوا بشهاداتهم في أجزاء من هذا التقرير حرصاً على سلامتهم.

وفي ترتيبها للوقائع المعروضة في التقرير، اعتمدت “مواطنة” إيراد المواقع الأثرية المرتبطة بتاريخ اليمن القديم أولاً، ثم المعالم المرتبطة بالحقب التاريخية التي تليه. ولأغراض التقرير، قدمت “مواطنة” نبذة تاريخية عن كل الممتلكات الثقافية التي وثقتها، وذلك بالعودة إلى مراجع تاريخية وأكاديمية موثوقة ومعتمدة.

الملخص التنفيذي

شكّل استهداف الممتلكات الثقافية والآثار أحد مساحات الاتفاق لكافة الأطراف المتحاربة في اليمن. إذ يحضر التدمير الذي طال الآثار والمعالم التاريخية والمباني الأثرية والدينية، بوصفه أبرز مظاهر انزلاق البلاد إلى هاوية حرب بلا قرار؛ حرب أتت على كل شيء و لم تدخر بعيداً، حياة اليمنيين وممتلكاتهم، بما في ذلك ماضيهم الضارب في القِدَم، ومتّحدهم الثقافي. وبالمثل، طالت أضرار الحرب الذاكرة الجمعية لليمنيين، المتمثلة بتراثهم التاريخي وأسلوب بنائهم الفريد الظاهر في حصونهم وقلاعهم الشاهقة،  وأبراجهم العالية، وزخارفهم الأصيلة على جدران أماكن العبادة وزواياها.

ومنذ اندلاع النزاعات المسلحة المتتالية منذ منتصف العام 2014[34]، شهدت الأعيان الثقافية في اليمن، أنماطاً مختلفة ومتعددة من الانتهاكات والاعتداءات. وقد طالت هذه الانتهاكات العديد من المعالم الأثرية والمباني التاريخية والمتاحف. كما أخذت هذه الانتهاكات أشكالاً مختلفة، كالقصف الجوي، والهجمات البرية، والتفجير، والتخريب والهدم وإلحاق الأضرار، علاوة على تدبير أعمال عدائية من جوار هذه الأعيان الثقافية، أو الاستخدام المتعمّد لها لأغراض عسكرية مباشرة. وإضافة لذلك، تعرضت بعض الممتلكات الثقافية لانتهاكات مركبة؛ فمنها ما تعرض للقصف الجوي والبري والاستخدام لأغراض عسكرية وحتى الإتلاف وإلحاق الضرر.

تشاركت كافة أطراف النزاع الانتهاكات والاعتداءات على الممتلكات الثقافية. وأدّت تلك الاعتداءات إلى إلحاق أضرار هائلة ببعض هذه الممتلكات، وصلت إلى حدّ نسف معلمين دينيين في تعز (قبة السودي- قبة الرميمة) على يد جماعة متطرفة تنشط في مناطق تخضع لسلطات حكومة الرئيس هادي.

خلال الفترة التي شملها هذا التقرير، وثقت “مواطنة” لحقوق الإنسان، تعرّض (15) موقعاً تاريخياً وأثرياً، كانت تستخدم بعضها جماعة أنصار الله (الحوثيون)، تعرضت لهجمات جوية مباشرة شنّتها مقاتلات التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات. من بين تلك المواقع، مدينة براقش التاريخية والبوابة الشمالية لسد مأرب القديم.

وألحقت هجمات جوية متكررة لطيران التحالف، أضراراً متفاوتة بمبانٍ تاريخية في مدينة صنعاء القديمة. وقد كانت أولى الغارات الجوية التي استهدفت صنعاء القديمة، المدرجة على لائحة التراث العالمي[35]، في 12 يونيو/ حزيران 2015، وآخرها في 20 سبتمبر/ أيلول 2016- حسب الوقائع التي وثقتها “مواطنة” في سياق هذا التقرير. كما طالت الغارات الجوية لمقاتلات التحالف العربي، مواقع تاريخية أخرى، كحصن كوكبان الشهير بسوره ذي البناء الفريد. ولم تكن المعالم الدينية بمنأى عن صواريخ طائرات التحالف؛ فقد تعرض جامع الهادي في صعدة لأضرار كبيرة إثر غارتين جويتين نفذهما طيران التحالف يومي السبت والأحد 9 و10 مايو/ أيار 2015؛ ويعتبر جامع الهادي أحد أبرز المعالم الدينية في مدينة صعدة القديمة وأكثرها أهمية على المستوى الديني هناك. إضافة لذلك، هاجمت مقاتلات التحالف العربي أعياناً ثقافية أخرى، بينها المتحف الحربي بمدينة عدن في 15يوليو/ تموز 2015. وكان نفس المتحف تعرض لهجوم بري سابق شنته قوات عسكرية تتبع جماعة أنصار الله (الحوثيين) وحليفها السابق، الرئيس السابق علي عبدالله صالح. إذ قصفت هذه القوات المتحف بقذائف مدفعية أثناء اقتحامها لمديرية كريتر في منتصف أبريل/ نيسان 2015، قبل أن تستولي عليه وتتمركز بداخله.

في المقابل، شنت جماعة أنصار الله (الحوثيون) وقوات الرئيس السابق صالح، هجمات برية بالدبابات والمدفعية، استهدفت معالم أثرية ومباني تاريخية ومتاحف. وقد خلفت هذه الهجمات دماراً واضحاً في تلك المعالم الأثرية. ففي يوم 28 مارس/ آذار 2015، استهدفت دبابة تابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين) قصر دار الحجر في مديرية الحوطة، عاصمة محافظة لحج. وقد أسفرت الهجمة عن تدمير أجزء كبيرة من القصر. ومنذ ما يزيد عن ثلاث سنوات، تركزت العديد من الهجمات البرية التي نفذتها جماعة أنصار الله (الحوثيون) وقوات تتبع الرئيس السابق صالح، على معالم أثرية في مدينة تعز. ومدينة تعز معروفة بجوامعها التاريخية الشهيرة ذات القباب المزخرفة ومناراتها العالية. وفي الساعة 4:30 من يوم الأربعاء 17 يونيو/ حزيران 2016، تعرض جامع ومدرسة الأشرفية التاريخي لقصف مدفعي مفاجئ من قبل جماعة أنصار الله (الحوثيين). استهدف القصف المنارة الشرقية للجامع وأدى إلى إحداث فجوة كبيرة في وسط المنارة. ولجماعة أنصار الله (الحوثيين) الرصيد الأعلى في استخدام الأعيان الثقافية لأغراض عسكرية، وتنفيذ أعمال عدائية منطلقها بعض الحصون التاريخية والمواقع الأثرية. ففي 16 أغسطس/ اَب 2014، سيطر مقاتلو الجماعة على مدينة براقش الأثرية واستخدموها لأغراض عسكرية بحتة. وقبل انسحابهم منها، مطلع شهر أبريل/ نيسان 2016، زرعوا تخوم المدينة الأثرية بالألغام.

وتعرضت ممتلكات ثقافية أخرى للهدم والتخريب على يد جماعات متشددة؛ ففي يوم الجمعة 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، استهدفت سيارة مفخخة الجهة الجنوبية الغربية لمدينة شبام- حضرموت التاريخية، أدى إلى تضرر حوالي 240 منزلاً طينياً[36]، بعضها تضررت بصورة جسيمة وأخرى طفيفة.

وفي عدن، هاجم أفراد متشددون ينتمون لجماعة “أنصار الشريعة”، معبد الهندوس التاريخي؛ حيث جاء أولئك الأفراد على متن ثلاث عربات عسكرية، وقاموا باقتحام المعبد، وتحطيم التماثيل واللوحات التي كان يحويها. ولم تسلم كنائس مدينة عدن من اعتداءات تمثّلت في تحطيم الكثير من مقتنياتها من التماثيل والأيقونات، على يد جماعة أنصار الله (الحوثيين). كما تعرض أزيد من (15) موقع ومعلم أثري وتاريخي في المدينة، إما للاستخدام لأغراض عسكرية مباشرة، أو لتنفيذ عمليات عسكرية من داخل هذه الأعيان أو من جوارها والاحتماء بها.

التوصيات

إلى كافة أطراف النزاع في اليمن:
  • على كافة أطراف النزاع في اليمن اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير اللازمة لتجنيب الممتلكات والأعيان الثقافية أي ضرر أو دمار.
  • على جميع الأطراف المتنازعة عدم استخدام الأعيان الثقافية لأغراض عسكرية، والتوقف فوراً عن تدبير وشن أعمال عدائية من داخل المواقع والمعالم الأثرية أو من جوارها.
  • إجراء تحقيقات شفافة ومحايدة في مزاعم الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب، بما في ذلك وقائع الاعتداءات على الأعيان والممتلكات الثقافية، والإعلان عن هذه التحقيقات ومحاسبة المسؤولين عن هذه الوقائع.
  • ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية وبروتوكولاتها، وكذلك اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها المعنية بحظر الهجمات الموجهة ضد الممتلكات والأعيان لثقافية.
  • تدريب الأفراد العسكريين على حماية الممتلكات الثقافية وعدم المساس أو العبث بها، وتضمين إجراءات التعامل مع الممتلكات الثقافية في الأدلة التوجيهية للجيش و الوحدات العسكرية.
  • تمييز الممتلكات الثقافية بعلامات مميزة بحسب المادة (6) من اتفاقية لاهاي.

إلى جماعة أنصار الله (الحوثيين):

  • إيقاف العمليات العسكرية التي تستهدف أعياناً وممتلكات ثقافية.
  • عدم استخدام الأعيان الثقافية لأغراض عسكرية وإصدار أمر بمنعه، والتوقف عن إجراء الأعمال العدائية من داخل هذه الأعيان، وعدم ممارسة أية نشاطات أمنية وعسكرية فيها وتفادي الاحتماء بها.
  • احترام قوانين الحرب، والالتزام بمبدأ التمييز بين الأعيان الثقافية وبين الأهداف العسكرية المشروعة، خاصة تلك الھجمات التي تؤدي إلى خسائر في الممتلكات الثقافية ولا تتناسب مع أي ميزة عسكرية متوقعة.
  • إيقاف أعمالها العدائية التي تستهدف الممتلكات الثقافية والمعالم الدينية فوراً.

إلى جماعة أنصار الشريعة وتنظيم القاعدة:

  • إيقاف أعمالها العدائية التي تستهدف الممتلكات الثقافية والمعالم الدينية فوراً.
  • التوقف فوراً عن توجيه الأعمال الانتقامية التي تطال معالم دينية.

إلى القوات العسكرية اليمنية تحت قيادة الرئيس عبدربه منصور هادي والجماعات المسلحة التي تتبعه (جماعة أبي العباس في تعز- والمقاومة الشعبية في باقي المناطق اليمنية):

  • إلزام التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات بضرورة توفير معلومات تفصيلية عن الأھداف العسكرية المقصودة من الغارات التي استهدفت أعياناً ثقافية. كما يجب إتاحة المعلومات بصورة علنية، والضغط لتقديم تعويضات في حال تبين وقوع تجاوزات.
  • إيقاف شن هجمات برية على الممتلكات والأعيان الثقافية بالمخالفة للقانون الدولي الإنساني.
  • منع استخدام الأعيان الثقافية لأغراض عسكرية، وعدم اتخاذ أي تدابير عدائية تكون الأعيان الثقافية منطلقها، أو ممارسة أية أعمال عسكرية بالجوار منها.
  • إيقاف الأعمال العدائية التي تستهدف الممتلكات الثقافية والمعالم الدينية فوراً.

إلى دول التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات:

  • ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك حظر الهجمات التي تستھدف الأعيان الثقافية، والتي لا تميز بينها وبين الأهداف العسكرية المشروعة، خاصة تلك الھجمات التي تؤدي إلى خسائر في الممتلكات الثقافية ولا تتناسب مع أية ميزة عسكرية متوقعة.
  • اتخاذ كافة التدابير الممكنة التي من شأنها تقليص حجم الأضرار اللاحقة بالأعيان الثقافية، والتي ينبغي أن تشمل إصدار إنذارات فعالة مسبقة قبل الهجمات قدر الإمكان.
  • تفعيل آلية للتحقيق في الغارات الجوية التي استهدفت الأعيان الثقافية بصورة مباشرة، حتى في غياب أية أدلة على وقوع انتھاكات لقوانين الحرب.
  • ضرورة نشر أية معلومات حول الأھداف العسكرية المقصودة في الغارات الجوية التي طالت الممتلكات الثقافية، وكذا التعريف بجميع الدول المشاركة في تلك الغارات.
  • الإعلان عن نتائج التحقيقات بغرض اتخاذ الإجراءات التأديبية، وتفعيل مسألة المتابعات القضائية عند وقوع انتهاكات أو جرائم حرب.
  • تقديم التعويضات الملائمة فوراً إلى الجهات المعنية، عن كافة الأضرار التي أُلحقت بالممتلكات الثقافية.

إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة:

  • إن اتفاقية لاهاي 1954 تسند مسؤولية تنفيذ أحكامها إلى القوى الحامية، المكلفة بحماية مصالح أطراف النزاع، وإلى منظمة اليونسكو، وفقاً لأحكام الاتفاقية في المواد 21،22، 23.
  • على اليونسكو ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، دعم إنفاذ اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية وبروتوكولاتها، واتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها، وحثّ الأطراف المتنازعة على عدم استهداف الممتلكات والأعيان الثقافية أو تعريضها للخطر.

إلى الدول المصدرة للأسلحة، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا وإيطاليا:

  • وقف صفقات بيع الأسلحة إلى أطراف النزاع في اليمن، لإمكانية استخدام هذه الأسلحة في تنفيذ هجمات على ممتلكات وأعيان ثقافية قد ترقى إلى جرائم حرب.
  • التحقيق في الهجمات التي استهدفت أعياناً ثقافية ويُرجّح أنها تمت بأسلحة مصنعة في أي من الدول الآنفة الذكر.

إلى فريق الخبراء البارزين بشأن اليمن:

  • التحقيق في الهجمات التي شنتها أو تسببت بها جميع أطراف النزاع على الممتلكات الثقافية في اليمن.