بعد 20 عامًا من العمل العسكري الضار في اليمن

يجب على الولايات المتحدة تغيير مسارها

May 2, 2021

علي المرتضى وبنيان جمال

2 مايو/ آيار 2021


عندما تقتل الولايات المتحدة أعضاء رفيعي المستوى في تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية AQAP في اليمن، تقوم وسائل الإعلام بتغطية هذه العمليات، نقلًا عن مسؤولين يروجون لهذه الضربات على أنها عمليات “ناجحة” ويساعدون في خلق انطباع خاطئ بأن مثل هذه “الضربات الدقيقة” تؤثر فقط على “الإرهابيين”. وفي الوقت نفسه، لا يتم الاكتراث، في كثير من الأحيان، بالأضرار التي ألحقتها العمليات الأمريكية بالعديد من اليمنيين الذين لا علاقة لهم بتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. فلا تُسمع أصواتهم، ولا تحقق العدالة لهم أبدًا. ولدى إدارة بايدن الفرصة لتغيير مسارها بشكل نهائي.

ومن خلال العمل مع مواطنة لحقوق الإنسان، وهي منظمة يمنية رائدة تُعنى بحقوق الإنسان، فقد عملنا على مدى العامين الماضيين على تسليط الضوء على الآثار المدنية الناجمة عن العمليات الأمريكية في اليمن. وقد وثقت منظمة مواطنة خلال الفترة بين 2017 و2019 فقط 10 غارات جوية أمريكية، نفذت جميعها على ما يبدو بواسطة طائرات بدون طيار (درونز)، بالإضافة إلى عمليتين برّيتين أسفرتا عن مقتل 38 مدنيًّا من اليمنيين، بينهم 13 طفلًا و6 نساء و19 رجلًا. كما أسفرت هذه العمليات عن إصابة ما لا يقل عن 7 آخرين، بينهم 6 أطفال، خمسة منهم دون سن العاشرة. وبالحديث إلى أسر الضحايا والشهود والمتضررين من هذه العمليات، أدركنا أن معاناتهم تجاوزت مجرد فقدانهم لأحبائهم في هذه العمليات غير المبررة، وأن حياتهم الصعبة أصلًا تغيرت بعد أن فقدوا معيليهم، وأصبحت لا تطاق. كما قرر العديد من السكان المحليين مغادرة منازلهم، وفضلوا النزوح على العيش في هذه الحالة المستمرة من الخوف.

أصبحت الحياة في المناطق اليمنية التي تتعرض بانتظام للعمليات العسكرية الأمريكية بمثابة صراع مع عدم اليقين. وقد تواردت إلى أسماعنا، خلال عمليات البحث والتقصي التي قمنا بها، العديد من التساؤلات التي تطرحها الأسر التي تقطن هذه المناطق، والتي شعر بعضها بأن نهايتهم قد تنجم عن أخطاء محتملة في حسابات تحديد أهداف هذه العمليات. وتساءلوا عن أفضل السبل الممكنة لحماية أنفسهم وأحبائهم.

وقال أحد السكان المحليين: “هل ينبغي عليَّ الخروج من المنزل اليوم؟ كيف يمكنني تقليل احتمالات تعرضي للإصابة من الضربات؟ ربما لا ينبغي أن أقود شاحنتي الصغيرة”. وقال صديق لضحيتين، بعد أن أودت غارة جوية بطائرة بدون طيار بحياة كل منهما وأحرقت مناحلهما: “صديقاي، لم يكونا على علاقة عن بعد بأي جماعة عسكرية. كانا جالسين هنا، تمامًا مثلك الآن”.

لقد أدى العيش في حالة الخوف المستمرة هذه إلى حدوث آثار نفسية على الناجين وأفراد أسرهم ومجتمعهم ككل. قال أحد الآباء لمنظمة مواطنة: “أراد ابني البالغ من العمر ست سنوات أن يذهب إلى الحمام لكنه عاد بعد ذلك دون الذهاب. وعندما سألته عن السبب، قال: لا أريدكم أن تموتوا جميعًا بدوني إذا ضربت الطائرة بدون طيار”.

ازدادت حالة الخوف بين أوساط السكان المحليين مع استمرار العمليات الأمريكية في قتل وجرح المدنيين. وهذا هو الحال بشكل خاص بالنظر إلى أنه لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أن الولايات المتحدة مستعدة للاعتراف بحجم الأضرار التي تسببت بها، ولا لتغيير مسارها بشكل جذري.

وبالنسبة للأسر التي فقدت أحباءها أو لحقت بها أضرار أخرى من العمليات الأمريكية، فإنه لطالما يتم إسكات الجهود الرامية إلى توفير إجابات لأسئلتهم وتقديم التعويضات والمساءلة لهم. فعندما يتم المطالبة بمزيد من الشفافية، يكون الرد في كثير من الأحيان “لا يمكننا إخبارك بذلك”. وعندما يتم السعي إلى تحقيق المساءلة، فإنه يتم استخدام درع “الأمن القومي” بشكل منتظم لصد تلك المساعي.

لا تزال قنوات التواصل مع أولئك الذين ينفذون هذه العمليات محدودة، ولا تقدم حاليًّا سوى أمل ضئيل للضحايا وأحبائهم. وبذلت “مواطنة” جهودًا مكثفة لتقديم أدلة دامغة على الأضرار التي لحقت بالمدنيين جراء هذه العمليات في اليمن، إلى القيادة المركزية الأمريكية، وهي الجهة المسؤولة عن تنفيذ تلك العمليات في اليمن. وكنا نتطلع إلى اليوم الذي يمكننا فيه الاتصال بالأسر لإخبارهم بأن الولايات المتحدة قد اعترفت بأن أحباءهم كانوا مدنيين، وأنها ستقدم لهم التعويضات اللازمة. ولكن، بعد كل هذا العمل، لم تقدم الولايات المتحدة، حتى الآن، أي اعترافات إضافية بما تسببت به من أضرار مدنية. ولا يزال من غير الواضح لنا ما الذي يمكن أن يكون كافيًا لإقناع الجيش الأمريكي بأنهم أخطؤوا في واقع الأمر.

وحتى في الحالات النادرة جدًّا التي اعترفت فيها الولايات المتحدة بقتل مدنيين في اليمن، لا نعرف ما هي التغييرات، إن وجدت، التي أجرتها الولايات المتحدة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين في المستقبل، أو ما هي الخطوات، إن وجدت، التي اتخذتها الولايات المتحدة لمحاولة جبر أقارب المتضررين وتقديم التعويضات المناسبة لهم.

كان في جميع المحادثات تقريبًا التي أجريناها مع أقارب الأشخاص الذين قُتِلوا في العمليات الأمريكية شيء مشترك، وهو: لم يتواصل معهم أحد من الولايات المتحدة أو الحكومة اليمنية لفهم ما حدث لهم أو لتقديم أي نوع من أنواع التعويضات لهم.

قال لنا زوج امرأة قُتلت جراء غارة جوية بطائرة بدون طيار: “لا أحد يعرف أين نحن ولا أحد يهتم لأمرنا”.

وهذه الجملة تطاردنا منذ ذلك الحين.فبينما تبرر الولايات المتحدة تنفيذ عملياتها في اليمن على أساس حماية الشعب الأمريكي من الجماعات الإرهابية، فإنها غالبًا ما تتجاهل حقيقة أن اليمنيين هم في كثير من الأحيان ضحايا لهجمات هذه الجماعات. والهجمات الانتحارية التي استهدفت مسجدين في صنعاء عام 2015 هي مثال واحد فقط لذلك. كنا نعيش في صنعاء في ذلك الوقت. أسفرت تلك الهجمات عن مقتل أكثر من مئة شخص. نحن نعرف جيدًا مستوى العنف الذي تستعمله هذه الجماعات، ولقد شاهدنا بأم أعيننا نتائج أفعالهم.

قال لنا أحد الشهود عن الغارة الجوية في عام 2017: “لا أفهم سبب حدوث كل هذا، لقد قاتلنا أفراد تنظيم القاعدة وطردناهم من قريتنا”.

وبعد ما يقرب من عقدين من الزمان، لم تنجح الضربات الجوية بطائرات بدون طيار والعلميات البرية الأمريكية في القضاء على هذا العنف. بل على العكس من ذلك، تستفيد التنظيمات، مثل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية AQAP، من العمليات الأمريكية في اليمن في كسب تأييد الناس لها وتجنيدهم للقتال في صفوفها ونشر برامجها الترويجية.

وبالإضافة إلى الموقف الأكثر إنتاجية إزاء النزاع الأوسع في اليمن، والذي يعطي الأولوية لاستخدام الحلول الدبلوماسية، يجب على إدارة بايدن أيضًا إلقاء نظرة فاحصة على تأثير العمليات الأمريكية في اليمن. ويبدأ ذلك بإجراء تقييم كامل لما حدث، بما في ذلك التحقق من مشروعية العمليات الأمريكية، والاعتراف بآثارها على المدنيين، وضمان المساءلة عن المخالفات وتقديم تعويضات مجدية للضحايا.

لقد مضى وقت طويل على تغيير الولايات المتحدة مسارها في اليمن، وتعاملت مع البلد بطريقة تحترم حقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة. فاليمنيون يستحقون أن يعاملوا بكرامة أكبر بكثير مما كانوا عليه. وبالنسبة للولايات المتحدة، يجب أن يبدأ ذلك من خلال اتباع نهج للأمن البشري المشترك، لا ينتهي بخوف الناس في أحد جانبي الكرة الأرضية من الهلاك بضغطة زر من قبل أشخاص على الجانب الآخر.

علي المرتضى، باحث في مجال حقوق الإنسان، يتضمن عمله التحقيق في انتهاكات وتجاوزات جميع أطراف النزاع بحق المدنيين.

بنيان جمال، أخصائية مساءلة في مواطنة لحقوق الإنسان، وتعمل على استكشاف سُبل المساءلة والجبر عن انتهاكات القانون الدولي.