كلمة رضية المتوكل، رئيسة منظّمة "مواطنة لحقوق الإنسان" اليمنيّة أمام لجنة في الكونغرس الأميركي

إذا أردنا وضع حدّ لسلسة العنف في اليمن، لا بدّ أن يعيَ أطراف النزاع أنّ الانتهاكات التي يقترفونها لن تمرّ من دون محاسبة، وأنّهم مُطالبون بتعويض ضحاياهم.

الثلاثاء, 28 إبريل/نيسان, 2020
Tweet
Share on Facebook
Share on Facebook
Share on Facebook

28 أبريل/نيسان 2020

“حضرة رئيس اللّجنة السيّد دويتش، عضو المركز الأكبر السيّد ويلسون، الأعضاء المُحترمين في “لجنة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والإرهاب الدولي” التابعة للجنة الشؤون الخارجيّة في مجلس النواب الأميركي،

بدايةً، أحييكم من اليمن، وأشكركم على إعطائي فرصة الكلام معكم للمرّة الثانية حول الحرب والأزمة الإنسانيّة في بلدي. أنا رضية المتوكل، رئيسة منظّمة “مواطنة لحقوق الإنسان”.

تدافع “مواطنة” عن حقوق الإنسان في اليمن وتسعى إلى إنهاء الانتهاكات بحق المدنيّين في اليمن. يوثّق فريقُنا الانتهاكات التي يرتكبها أطراف النزاع كافّة، وفي كلّ المحافظات اليمنيّة تقريبًا. نقدّم الدعم القانوني للأشخاص المُعتقلين أو المخفيّين على يد جميع أطراف النزاع. وقد ساهمنا حتّى الآن في إطلاق سراح عشرات المعتقلين في مختلف أنحاء اليمن.

في هذه المرحلة الدقيقة التي نعيشها، لا بدّ لنا من التعبير عن تضامننا وإحساسنا العميق بجميع المتضرّرين والمنخرطين في المعركة ضد فايروس كورونا في الولايات المتّحدة الأميركيّة والعالم. فنحن في اليمن عانيْنا من صعوباتٍ مشابهة، واختبرنا وطأتها طوال السنوات الخمس الماضية، حيث سرقت الحرب منّا أحبّاءنا وعائلاتنا ودمرت نظمنا الصحيّة ومنعت  الكثيرين منّا من السفر والتعلّم والعمل. واليوم، نرى كيف يسير فايروس كورونا نحو بعض مما سارت إليه الحرب على مدى الأعوام الخمسة الفائتة.

بينما تصارع الدول لمحاربة جائحة كورونا وتسعى للإستجابة إلى حاجات المجتمعات وضمان قدرة المستشفيات على معالجة جميع المُصابين، يدخل اليمن عامه السادس من حربٍ أنهكت ودمّرت نظامه الصحّي.

بين عامَي 2015 و2018، وثّقت منظّمة “مواطنة” 120 اعتداءً على مراكز صحيّة وطواقم طبيّة نفّذها مختلف أطراف النزاع، في 20 من بين 22 محافظة يمنيّة. وفي تقرير أصدرناه بالتعاون مع منظّمة “أطبّاء من أجل حقوق الإنسان”، أظهرنا كيف فاقمت هذه الاعتداءات من الأزمة الإنسانيّة الراهنة في اليمن وزادت أوضاع المدنيّين سوءًا.

يبيّن التقرير أنّ التحالف العربي بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات المتّحدة العربيّة، والذي تمدُّه بالسلاح كلٌّ من الولايات المتّحدة الأميركيّة والمملكة المتّحدة ودول من الاتّحاد الأوروبي، مسؤول عن تدمير مراكز صحية في اليمن والإضرار بها من خلال الضربات الجويّة. أمّا الحوثيّون، والمجموعات اليمنيّة المسلّحة التابعة للحكومة اليمنيّة والتحالف، فساهموا أيضًا في تدمير مراكز صحية عن طريق القصف العشوائي ، بالإضافة إلى احتلال المراكز الطبيّة. وجميع أطراف النزاع متورّطين بقتل أطبّاء وعاملين صحيّين.

نتج عن انهيار النظام الصحّي أوضاعًا يمكن وصفها بالكارثيّة على المدنيّين اليمنيّين. فقد أدّى هذا الانهيار إلى انتشار الكوليرا، وهو وباء يمكن الوقاية منه بسهولة. ومع أنّ فايروس كورونا لا يزال حديث الانتشار نسبيًّا في العالم بأسره، إلا أن عواقبه ستكون مميتة  بشكل خاص في البلدان التي ترزح تحت وطأة النزاع، كاليمن.

في 10 نيسان/أبريل 2020، سُجّلت أوّل إصابة مؤكّدة بفايروس كورونا في اليمن. وعلى الرغم من عدم الإعلان رسميًّا عن حالات أخرى منذ ذلك التاريخ، فإنّ موت اليمنيّين ظلّ مستمرًّا وبوتيرة يوميّة بسبب الحرب المشتعلة في البلاد.

يُقتل اليمنيّون بالضربات الجويّة والقصف. يموتون بسبب أمراضٍ يمكن الوقاية منها ومعالجتها. يموتون من الجوع وأسباب كثيرة أخرى.

لذا، أقف هنا اليوم لأدعوكم إلى المساهمة في جهود إنهاء مأساة المدنيّين اليمنيّين، ليس خوفًا من تبعات انتشار فايروس كورونا وحسب، إنّما إدراكًا أيضًا للدمار والخراب المستمرَّين بفعل هذه الحرب غير الضروريّة التي سُمح لها بالاستمرار طويلاً.

ثمّة أمور يمكن الولايات المتّحدة الأميركيّة القيام بها الآن  من أجل صنع فرقٍ حقيقي في اليمن، وهي:

أوّلاً: إيلاء مسارات المحاسبة والتعويض عن الانتهاكات الأهميّة اللازمة.

إذا أردنا وضع حدّ لسلسة العنف في اليمن، لا بدّ أن يعيَ أطراف النزاع أنّ الانتهاكات التي يقترفونها لن تمرّ من دون محاسبة، وأنّهم مُطالبون بتعويض ضحاياهم.

ثانيًا: التوقّف عن إيقاد الحرب عبر بيع السلاح.

يجب إنهاء الدعم العسكري الأميركي للسعوديّة والإمارات، والدفع أكثر باتّجاه اتفاقٍ سياسي لإنهاء الحرب في اليمن. أكثر ما يهدّد مستقبل اليمن هو انهيار الدولة وتعزيز سطوة المجموعات المسلّحة وقوّتها.

اليمنيّون بحاجة إلى اتفاقٍ سياسي جدّي يقودهم إلى تحقيق حلمهم بدولة قائمة على حكم القانون والديمقراطيّة، والتي لا يمكن أن تتحقّق إلّا باتفاقٍ سياسي يضمّ جميع أطراف النزاع. ولكي يرى اتفاقٌ كهذا النور، على الولايات المتّحدة الأميركيّة أن تمارس المزيد من الضغوطات على حلفائها وإنهاء مبيعات الأسلحة وغيره من أشكال الدعم العسكري الذي تقدّمه لهم.

أنا مقتنعة بأنّ دور الكونغرس الأميركي كان أساسيًّا في الوصول إلى اتفاق استوكهولم عام 2018، وإلى الانسحاب الإماراتي الجزئي من العمليّات الحربيّة في اليمن، واستعداد السعوديّة للتفاوض. لكن على هذه الضغوطات أن تستمرّ.

ثالثاً: معالجة الأزمة الصحيّة، والإنسانيّة، والاقتصاديّة في اليمن.

لقد عمدت أطراف النزاع في اليمن إلى استخدام اقتصاد البلاد ومؤنه الغذائيّة كسلاح في النزاع. وهناك موظّفون رسميّون يمنيّون، من ضمنهم عاملون صحيّون، لم يتقاضوا رواتبهم منذ نحو عامين. ومع ذلك، ذهبت الإدراة الأميركيّة باتجاه قطع مساعداتها الإنسانيّة إلى اليمن، ردًّا على عرقلة الحوثيون لوصول المساعدات إلى أصحابها. على هذه العرقلة أن تنتهي، لا شكّ في ذلك. ولكنّ القرار الأميركي بسحب تمويل المساعدات الإنسانيّة في وقت اليمنيّون هم بأمسّ الحاجة إليها من شأنه أن يضاعف المأساة أكثر. فوقفُ الدعم المادّي الآن لن يعاقب المسؤولين الحوثيّين بقدر ما سيعاقب المدنيّين اليمنيّين القابعين أصلاً في أوضاع شديدة الصعوبة والهشاشة.

إذا كان وقف انتشار فايروس كورونا يتطلّب تضافر جهود العلماء والأطبّاء حول العالم، فإنّ وقف الحرب والأزمة الإنسانيّة في اليمن يتطلّب من صنّاع القرار المؤثّرين، كالمسؤولين في هذا المجلس، أن يستمعوا إلى ما يمليه عليهم ضميرُهم ويتصرّفوا بإرادة صلبة. يمكنكم المساهمة  في إنهاء هذه الأزمة، إن أردتم ذلك فعلاً.

رضيّة المتوكّل، 28 نيسان/ابريل 2020.