أصبح لزامًا على الأطراف المتحاربة والدول المانحة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي اتخاذ خطوات فورية وعاجلة لضمان الحد من تفشي كوفيد-19 المحتمل، وأثره الكارثي المتوقع في اليمن، حيث يتعرض المدنيون للخطر بشكل خاص وحاد.
28 أبريل/نيسان 2020
يدخل الصراع في اليمن عامه السادس وقد أسفر عن أسوأ أزمة إنسانية عرفها العالم. وفي 10 أبريل الجاري، تم تأكيد إصابة أول حالة بفيروس كوفيد-19 في البلاد. وبذلك أصبح لزامًا على الأطراف المتحاربة والدول المانحة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي اتخاذ خطوات فورية وعاجلة لضمان الحد من تفشي كوفيد-19 المحتمل، وأثره الكارثي المتوقع في اليمن، حيث يتعرض المدنيون للخطر بشكل خاص وحاد.
وفي ذلك نؤكد على ضرورة أن تتحمل السلطات في مختلف أنحاء اليمن مسئولية اتخاذ تدابير وقائية وخطوات فعالة لحماية الأشخاص في المناطق الخاضعة لسيطرتها من انتشار وباء كوفيد-19، ولكن ينبغي أن تحترم الاستجابة للفيروس حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وأن تكون جميع تدابير الطوارئ ضرورية ومتناسبة، بما في ذلك ضرورة إعلام اليمنيين بمثل هذه الإجراءات وخطتها الزمنية. كما يجب أن تتماشى تدابير الطوارئ مع القانون الدولي ودون تمييز. ففي أوقات الأوبئة، تتعاظم أهمية الوصول للمعلومات، وتتضاعف الحاجة للتغطية الشفافة للوضع الإنساني وحالة انتشار الفيروس في اليمن.[1] فقد سبق وأساء القائمين على السلطة استخدام أوقات الأزمات بشكل متكرر لتبرير فرض قيود غير قانونية على اليمنيين. فمنذ سبتمبر 2014، وبمجرد سيطرة أنصار الله على صنعاء، أُغلقت الأماكن العامة في البلاد، وقُيد الحق في التعبير، وهاجمت الأطراف المتحاربة واحتجزت الصحفيين والنشطاء والعاملين في وسائل الإعلام وفي المجال الإنساني.
الوضع الراهن يهدد بخطر مدقع:
على مدى سنوات الحرب، لحق بالنظام الصحي في اليمن اضرارًا جسيمة، وعرقلت الأطراف المتحاربة وأعاقت وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين. وانتشرت العديد من الأمراض المعدية في البلاد، منها في مرافق الاحتجاز. وجراء هذه الحرب، سقط آلاف من المدنيين قتلى وجرحى؛ ونزح أكثر من 3.6 مليون شخصًا داخليًا؛ بينما يعتمد الآن أكثر من 80 بالمائة من سكان اليمن على المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والمأوى والخدمات الأساسية الأخرى. وبحسب منسقة الأمم المتحدة للشئون الإنسانية في اليمن، ليزا جراندي: “ثمة 10 مليون شخصًا على بعد خطوة من المجاعة، و7 ملايين آخرون يعانون سوء التغذية.”
انهار القطاع الصحي في اليمن، وانهار الاقتصاد، وعرقلت الأطراف المتناحرة الاستجابة الإنسانية بشكل متكرر وصارخ، الأمر الذي أدى إلى التدمير الروتيني والاحتلال المتكرر لمرافق الرعاية الصحية، وارتفاع معدلات القتل والإصابة في صفوف العاملين بالقطاع الطبي. وقد ساهم ذلك في معاناة واسعة النطاق للمدنيين، وجعل البلاد أكثر عرضة للكوارث الصحية مثل تلك المتوقعة بسبب جائحة كوفيد-19. فاليوم في اليمن، نصف المرافق الصحية لا تعمل. وبالكاد يتوافر القليل من المعدات واللوازم الأساسية، بما في ذلك الأدوية ومستلزمات الحماية الشخصية وأجهزة التنفس الاصطناعية. علمًا بأنه سبق لليمن وعانى تفشي الأمراض المعدية، مسجلاً أكبر عدد من حالات اشتباه الإصابة بالكوليرا في التاريخ الحديث.
على الجانب الآخر عملت الأطراف المتحاربة على تسليح الاقتصاد والغذاء،[2] فحرمت معظم الموظفين المدنيين اليمنيين، بمن فيهم بعض الأطباء والعاملين بقطاع الصحة، من رواتبهم لما يقرب من عامين. وفي عام 2019، خلص فريق الخبراء الدوليين والإقليميين البارزين بشأن اليمن إلى أنه ربما تم استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب من قبل جميع أطراف النزاع. يأتي هذا بينما أعلنت المنظمات الدولية تعليق بعض المساعدات لليمن أواخر مارس الماضي نتيجة تدخل الحوثيين في عملية توصيل المساعدات وإساءتهم استخدام الأموال.[3] وفي 27 مارس 2020، قررت الولايات المتحدة، أكبر مانح لليمن، قطع المساعدات الإنسانية عنها، بما في ذلك التمويل الذي سيساعد في منع انتشار فيروس كورونا. وقبل يوم من الإعلان عن أول حالة إصابة بفيروس كوفيد -19 في اليمن، أعلن برنامج الغذاء العالمي أنه تم خفض المساعدات إلى النصف في أجزاء من اليمن، الأمر الذي قد يخلق كارثة متصاعدة في اليمن ضحاياها هم الأشخاص الضعفاء بالفعل – مثل النازحين والمحرومين من حريتهم واللاجئين والمهاجرين والمرضى والجوعى والفقراء .
لذا في دعوتها للمجتمع الدولي بشأن رفع العقوبات الدولية فورًا لمنع أزمات الجوع في البلدان التي تتعرض لوباء كوفيد-19، حثت المقررة الخاصة المعنية بالحق في الغذاء بالأمم المتحدة بـ “إيلاء اهتمام خاص لوضع المدنيين المحاصرين في مناطق النزاع، لا سيما أولئك المعانون بالفعل من انتهاكات خطيرة لحقهم في الغذاء، كما الحال في اليمن”.
اعتقلت الأطراف المتحاربة في اليمن وأخفت مئات المدنيين قسراً، بمن فيهم الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، واحتجزتهم في ظروف مزرية، حيث مرافق احتجاز مكدسة وغير صحية، تعج بالأمراض المعدية، تعاني معظمها من غياب الرعاية الصحية الروتينية، وفي بعض الحالات يتم حرمان جميع المعتقلين منها بالكامل. كما تفتقر أنظمة السجون القدرة على الرعاية الصحية، ويعوزها الإمدادات الطبية أو الموارد اللازمة للتعامل مع وباء كوفيد-19. وقد حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أنه “في السجون المكدسة، وبمجرد إصابة شخص واحد بكوفيد-19، سيصبح من المحتمل أن يصاب مئات الأشخاص […] وهذا يعني أن معدل الوفيات بين السجناء سيكون أعلى.”
وفي هذا السياق طالبت مجموعة الخبراء الدوليين والإقليميين البارزين حول اليمن جميع الأطراف باتخاذ تدابير فعالة للتخفيف من انتشار المرض، بما في ذلك الإفراج عن السجناء والمحتجزين “الضعفاء والمعرضين لخطر كبير في ظروف اعتقال مروعة.” كما أعرب ائتلاف من المنظمات غير الحكومية عن قلقه البالغ إزاء وضع المعتقلين والسجناء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا سيما في الدول التي تكون فيها السجون ومرافق الاحتجاز في الغالب مكتظة وغير صحية وتعاني من نقص الموارد.
منذ سبتمبر 2014 ومرورًا بتصعيد مارس 2015، استمرت الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله (الحوثيين) المسلحة والتحالف الذي تقوده السعودية والإمارات والقوات التابعة لهما في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي ولحقوق الإنسان. وقد شملت هذه الانتهاكات الغارات الجوية غير القانونية، والقصف العشوائي، واستخدام الألغام الأرضية، والاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والتعذيب، وتجنيد الأطفال، بينما فشلت جهود مختلفة في تحقيق السلام، وغابت المساءلة.
وفي 25 مارس 2020، مرددًا نداءه من أجل وقف عالمي لإطلاق النار دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس “أولئك الذين يتقاتلون في اليمن إلى الكف فورًا عن الأعمال العدائية والتركيز على التوصل لتسوية سياسية بالتفاوض، واتخاذ كل ما هو ممكن من إجراءات لمواجهة تفشي محتمل لوباء كوفيد-19.” ورغم هذه الدعوات استمر القتال، وقصف الحوثيون سجنًا في “تعز” ما أسفر عن مقتل خمسة نساء -بينهن فتاتين وشرطية- وإصابة تسعة بينهم ست نساء وفتاتين ورجل مدني.
وكان التحالف بقيادة السعودية والإمارات قد أعلن في 9 أبريل 2020 وقف إطلاق النار من جانب واحد لمدة أسبوعين في اليمن، بينما توحّد المجتمع المدني من جميع أنحاء العالم في نداءه من أجل وقف إطلاق نار عالمي، بما في ذلك في اليمن، لضمان مواجهة وباء كوفيد-19، مطالبًا جميع أطراف النزاع الالتزام بوقف إطلاق النار.
خطوات فورية وعاجلة لحماية المدنيين في اليمن:
بالنظر إلى الحاجة الماسة لاتخاذ تدابير فعالة وفورية من قبل جميع الأطراف لمواجهة هذا الوباء، فإننا نطالب بالآتي:
أولا: بالنسبة للأطراف المتحاربة في اليمن: (تحديداً التحالف بقيادة السعودية والإمارات، والحكومة اليمنية، وجماعة أنصار الله (الحوثية) المسلحة
ثانيا: بالنسبة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ومجلس الأمن:
ثالثا: بالنسبة للدول، لا سيما تلك التي لها تأثير على الأطراف المتحاربة، بمن فيها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه:
المنظمات الموقعة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] بسبب وباء كوفيد-19، حثت المفوضة السامية لحقوق الإنسان السلطات على “زيادة الوصول إلى المعلومات والإحصاءات الدقيقة بشكل كبير”، مشيرة إلى أن “الشفافية أمر بالغ الأهمية وقد تكون سببًا في إنقاذ الأرواح في الأزمات الصحية” كما دعت لإنهاء أي قيود على حرية وسائل الإعلام وحرية التعبير، وإنهاء أي إغلاق للإنترنت أو وسائط الاتصال. انظر:
https://www.ohchr.org/EN/NewsEvents/Pages/DisplayNews.aspx؟NewsID=22533٪26LangID=E
[2] أدى الحصار الذي يفرضه التحالف بقيادة السعودية والإمارات على المطارات والموانئ اليمنية إلى منع أو تأخير دخول السلع المنقذة للحياة إلى اليمن. وعرقلت جماعة أنصار الله (الحوثية) المسلحة دخول السلع الأساسية إلى أماكن مثل تعز، وفرضت عوائق وقيودًا معقدة على المساعدات. كما سرقت الجماعات المسلحة التابعة للحكومة والتحالف المساعدات. وفيما حُرم بعض موظفو الخدمة المدنية من رواتبهم لسنوات، عانى أخرون من تخفيض الرواتب بسبب تعنت الطرف المتحارب. للمزيد راجع، مجموعة الخبراء الدوليين والإقليميين البارزين، ورقة غرفة اجتماعات اليمن، 3 سبتمبر 2019، A / HRC / 42 / CRP.1، على: https://www.ohchr.org/EN/HRBodies/HRC/YemenGEE/Pages/Index.aspx.
[3] وثَّقت مواطنة لحقوق الإنسان أعمال عرقلة للمساعدات الإنسانية من قبّل جماعة أنصار الله (الحوثية) المسلحة، فضلاً عن الأطراف المتحاربة الأخرى. راجع: https://mwatana.org/en/withering-life/part-two/section11/